قصّة غرامي مع نزار قبّاني

حجم الخط
8

منذ دخل شهر نيسان/إبريل ونزار قباني يخطر على بالي، لم أنتبه لذكرى وفاته لأنه لم يمت في داخلي أبدا، ويخيل إليّ أنني إن كبست أرقام هاتفه سيأتيني صوته من الجهة الأخرى…
لم أنتبه أن سبعة عشر عاما مضت على رحيله، إلاّ حين قرأت قصاصات جرائد عنه، قصاصات جافة كتبها موظفو إعلام لتذكير الناس بشاعر الحب والمرأة والسياسة. وإن كان طيلة حياته شاعرا كبيرا، فإنه بعد وفاته تقدّم لقب الدبلوماسي على «فخامته الأدبية»، وأصبحت الكتابة عنه واجبا لا رغبة، أو عملا يُنجَز للملاحق الثقافية حتى لا تُتَّهم بنكران الجميل، فقد كان نزار يزيد من مبيعات كل جريدة تنشر حوارا له، أو قصيدة جديدة له.
طيلة فترة عطائه لم يكن سوى ملك تحيط به جنيات الشعر بألوان مبهرة وأنوار لم تنطفئ في قلوب من أحبوا شعره. ولأن لي حكاية فريدة معه، أحببت أن أتقاسمها معكم اليوم، ليس عتابا على من تعاملوا مع الرجل بطريقة جافة، بل عرفانا شخصيا مني له، ولأنه جزء مني ومن تكويني ومن مسيرتي الأكاديمية والشعرية.
نزار قباني في حياتي رواية…
عشت قصّة حب معه وأنا مراهقة، وكما قال لي ذات يوم صلاح فضل، الناقد المعروف والمشرف على أطروحتي للماجستير، نزار قباني كان تعويذة أصابتني بهوس، وحبي له كان مزمنا إذ لم أُشفَ منه إلى اليوم. كنت في المدرسة رمزا لذلك العشق الأدبي الخرافي، فالجميع كان يعرف أنني أحبه.
دواوينه مثل دفاتري لا تغادر حقيبتي، منذ «قالت لي السمراء»، و»أشهد أن لا امرأة إلاّ أنت» وقصائد كثيرة مغضوب عليها… كنت أملأ حقيبتي بشعره، وأتذكر أغلفة كتبه كلها بطبعاتها الأولى وألوانها، التي تصل إلى البحرين أو أقتنيها من القاهرة.
استمرّ هذا الحب، لأنني بقيت وفية لعشق شعره، فقد أحببت المسرح، واعتليت خشبته في سن العاشرة، لكنني غادرته لأجل ألاّ أغضب أهلي، غادرته وأنا أردد في داخلي « مجبرٌ أخاك وهو بطل»، ففي نظري إلقاء الشعر أيضا مغامرة بقوة المسرح وأحيانا أقوى وقد عشقت طريقة إلقائه للشعر، وأحببت أن أقف مثله وألقي شعري.. وأظنني نجحت إلى أبعد حد، لأنني حين كنت أقف وألقي شعرا أيام المدرسة والجامعة وكان الجمهور يتفاعل معي بشكل كبير، وكثيرا ما اخترت قصائد لنزار لألقيها، ودوما كنت أفوز بالمرتبة الأولى، حتى أنني لقبت بملكة إلقاء الشّعر…
علاقتي بنزار علاقة غرام، أحببته وأنا على عتبة سن المراهقة، وحلمت أن ألتقيه، واخترت أن أعايشه خلال كل مراحل عمري، كل مرحلة بطريقة مختلفة، حضرت عنه أطروحتي، شرّحت نصوصه، أردت أن أفهم أعماقه، قمت بتفكيك كل سطوره وكلماته ومعانيه، لأكتشف ملكته الشعرية ومشاعره وأسرار روحه… وأظنني كنت محظوظة حين التقيته سنة 93 قبل أن أنهي أطروحتي وأنالها بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف (جامعة عين شمس).
لقائي به كان حكاية أخرى، التقيته في لندن، ولن أنسى فضل الكبير غازي القصيبي لأنه سهّل لي مهمة لقائه، بالتنسيق مع أستاذي علوي الهاشمي، لكنني أيضا كنت أملك شجاعة وإصرارا كبيرين لأحقق رغبتي، كنت عصامية وأعمل بالموازاة مع الدراسة، واستطعت أن أوفر مبلغا لرحلتي التاريخية لألتقيه، فسكنت في فندق «إنتركونتيننتال» الذي كان باذخا وغاليا جدا لشخص مثلي آنذاك… يومها حضرت نفسي وكأنني طفلة تستقبل العيد، ارتديت فستانا جديدا وحذاءً جديدا وركبت تاكسي «كاب» أجمل أنواع التاكسي، وبلغت العمارة التي يقطن فيها، لكن من كثرة لهفتي ورغبتي المجنونة في لقائه، وطبعا بعد ليلة أرق وقلق وارتباك ومشاعر كثيرة، دخلت العمارة أركض، ونسيت أن في العمارة مصعدا، ركضت على السلالم وانقطعت أنفاسي وتوقفت عدة مرات لأستجمع قوتي وأواصل الصعود… فتأخرت تقريبا عشر دقائق عليه، لكن ما لن أنساه أبدا حتى يتوسدني الموت، هو منظر نزار وهو واقف أمام باب شقته المفتوح ينتظرني.
يا للمفاجأة التي لم أتوقعها أبدا، بالنسبة لي كنت نكرة فكيف ينتظرني نزار بتلك الطريقة؟ ولأنني كنت قد تحوّلت إلى كومة من الفرح، طرت نحوه في لحظة وعانقته، ومشاعري كلها تهتف أنني عانقت الشعر العربي المعاصر كله، جمعت في حضني عمرا كاملا من الإعجاب بشعره، صباي ومراهقتي وشبابي وكل أحلام الفتيات والسيدات بلقائه.
لن أنسى أناقة بيته، رغم أنه شقة إنكليزية صغيرة، لكن كل تفاصيلها جميلة، حتى الفراغ فيها مدروس، اللوحات فاتنة، الكراسي، الطاولات، التحف… كل شيء كان في قمة الأناقة. كانت مدبرة البيت قد أحضرت لي عصيرا، وكانت على الصينية شوكولاته فمددت يدي لآخذ قطعة فنهرني، وقال لي البنت لازم تحافظ على رشاقتها لأني وقتها كان وزني زائدا فوق المطلوب.
كان أنيقا جدا، في لباسه وسلوكه وحديثه، فتحدثنا عن كل ما يتعلّق بشعره، وقلت له يومها بكل صراحة إني أحببت شعره الغزلي أكثر من السياسي، ثم القيت عليه قصيدة من قصائده فقال لي « والله لو كان عندي مسجل لسجلت لك لأنك ألقيتها أفضل مني»، وأهداني يومها ديوانه «مايا» وكتب لي إهداء أعتز به «إلى الصديقة العزيزة » وللأسف استعارته زميلة صحافية في البحرين ولم تعده لي، وإلى يومنا هذا أشعر بأنني لم أخسر كتابا بل مكتبة.
وعدته يومها أن أهديه أطروحتي «تقنيات التعبير في شعر نزار قباني» حين تصدر في كتاب، وللأسف صدر الكتاب بعد وفاته. وعند وفاته ارتديت أسود وأعلنت الحداد عليه وصدقوني عزاني كل من يعرفني فيه.
طبعا حضرت سهرة تلفزيونية عنه آنذاك سميتها «شاعر في قلب عصره» وشاركت بها في مهرجان في القاهرة، وكنت آنذاك مذيعة في تلفزيون البحرين، قبل سنة من انتقالي إلى دبي وفزت يومها بجائزة النخلة الذهبية، وهذه السهرة كانت سببا في انتقالي إلى تلفزيون دبي، لأن مدير القناة كان حاضرا وأعجب بالسهرة.
نزار قباني في نظري وقفة تأملية في الشعر العربي، مثله مثل المتنبي، طبعا حين درست شعره، ناقشت البنية الإيقاعية في شعره، وقفت عند الحقول الدلالية في نصه، بحيث اكتشفت أنه عاشق للحياة وللمشاتل الخضراء واللون الأحمر والفرح..
حتى حين فقد زوجته بلقيس وجدت لديه حزنا متميزا، إن صح التعبير، حزنا فيه حياة، مثل قوله إنه حين تلقى خبر موتها أدرك أنها تحوّلت إلى طيف من أطياف قوس قزح، وهذا وصف فيه بث للحياة نفسها… وحتى حين كتب عنها فعل ذلك بحياة، مثل قوله تمشي وتمشي الطواويس خلفها، يصف حمرتها «الغيرلان» سجائرها الرفيعة «الكينت»… لم أجدها ممزقة، ولم أر أشلاءها. أنا كنت غاضبة، لكنني فهمته في ما بعد، فهو لم يرد أن يقتلها مرة أخرى، بل منحها حياة جديدة.. وجعلها تواصل الحياة كما كانت.
تحضرني أيضا حادثة عن الشاعرة البحرينية فاطمة التيتون، حين أُجري معها حوار وعُنْوِن بمانشيت عريض « طلّقت نزار قباني بالثلاث» أنا صدمت وقلت من هذه التي طلقت نزار بالثلاث؟ طبعا أيامها كنت مراهقة وما كنت لأتقبل أي وجهة نظر مضادة لشعر نزار. حين مارست مهنة التعليم، كنت دوما أنصح تلميذاتي أن يقرأن نزار، لأنه فعلا بوابة لعشق الشعر، وأستشهد دوما بشعره، لأنه محبب للقلوب، وسهل وجميل…تماما مثل إحسان عبد القدوس الذي أعتبره بوابة لحب الرواية.
الملخص بعد هذا الحديث الحميمي اليوم معكم عن حكاية غرامي بنزار قباني، أنني لم أندم لحظة واحدة لأني أحببته… وما زلت أراهن أنه بوّابة لعشق الشعر، وبوابة لعشق اللغة العربية في زمننا هذا الذي تراجع فيه الشعر باللغة العربية ليفسح المجال للتكنولوجيا واللغة الإنكليزية لتسرق قلوب وعقول أجيالنا الجديدة. لكنني حتما حين درسته جيدا تخلّصت من الحاجز الذي حجب عني شعراء آخرين أبدعوا مثل أدونيس وأنسي الحاج وقاسم حداد والسياب وغيرهم…
وللحديث بقية إن شاء الله…

شاعرة وإعلامية من البحرين

بروين حبيب

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول sammer serhan:

    you juste grate mrs nezar is one of the best ab poet i loved him like you i called my sun nezar all his poeti once they usk nezar that arab childrine dont understand what you wrigt nezar said it is not there problem it is mean that imade mistake great nezar living in us for ever thank mrs

  2. يقول للأسف الشديد،عربي:

    جميعهم عظماء.
    **
    قرأت:
    يا حلوةَ العشرين لا تفزعي
    **
    قلبي على العشرينَ قيّدته ُ
    فعمرُ قلبي ليس يجري معي
    **
    فَكَأَنَّها أَحلامُ” فالكلمات
    جدّ قصيرة، وكانت تقول أنها
    ستحدثني عن ذاك وذاك
    فيما سيأتي بعد ..
    وإن لهذا الحديث إطلالة قادمة
    ولكنها لم تأت،!

  3. يقول مغترب سوري:

    استمتع بقرائت مقالاتك الخلابة الساحرة الأنيقة المعبرة وأتمنى أن احضر أمسية شعرية لك يوما ما

  4. يقول عبداله القرنيـ السعودية:

    جميل ان تأخذنا حواسنا ، ويقلب عقلنا صقحات التاريخ , والزمن الجميل ، لشعراء وادباء تركوا بصمة لا تتمحي مع السنين والايام ، ونقشت بمداد من ذهب ، وزاد سعرها وقيمتها ، لانها لاتتأثر بسعر البورصة العاليمة , ولا هبوط
    السلع وارتفاعها ، لان هؤلاء الشعراء يتكلمون وينثرون ما بداخلهم من احساس مرهف ، وبمسيقى ومفردات ، تخاطب الوجدان وتلامس شغفه ، وتهيم بالقاريء الى عالم يتمنى ان يصله او يراه او يحلم به حتى في المنام ويسافر وتغطية سحابة ومطر هتان ، فالشاعر نزار قباني ، احد من سطر ورسم هندس الكلمة الشعرية ، اشعاره ا خذت مساحة في قلوب القراء ، لانه عبر بهم الحدود ، واسعد القلوب ، وحرك قلوب هشة ، لا تعرف الحب سوى السماع به ، فهو فرش طريق الحب للمحب بأزاهير عطرية ، فواجة منعشة ، وزرع الاراضي الموحشة ، باجمل الورود ، منبسطة على مد النظر ، فهو شاعر الحب وشاعر المراءة وشاعر كل عصر وسيبقى شعره يدغدغ الوجدان ، وشعرا شابا على امتداد العصور ، وهوية لكل من ققد هويته الشعرية ، ومدرسة لكل من اراد ان يتعلم الشعر ويبحر معه في سماء رحبة ، فقد اقتادتنا الكاتبة الموقرة لتذكر فحل من فحول الشعر ، تركنا بجسده وتركا لنا ارثا ادبيا أبديا غنيا يتغنى به ويقراؤه كل محب للمراءة وجمالها والطبيعة واشجارها والجبال وانهارها..

  5. يقول سويلم التياها:

    شكرا بروين
    استمتعت بمقالك وهذه اول مره أقرأ مقالا لك لكني أعرفك من خلال التلفزيون من سنوات طويله واستمتع ببرنامجك التلفزيوني الذي فيه نكهه بروينيه خالصه لا اجدها مع غيرك.

  6. يقول assalamou3alikoum:

    – في الحب قصط وافر من ” الحصرية” ( exclusiveness ). حبّ الشاعر العربي السوري ( الغير علوي ) حبّ مشترك ، للجميع . والحبّ المشترك لا يشفي الغليل .

  7. يقول أفانين كبة . مونتريال ، كندا:

    الأستاذة بروين حبيب ، لا تُلامين على حبك ل كما سُمى بقيثارة العرب الشعرية نزار قباني . فقد دخل قلوبنا وبيوتنا بدون استئذان وشغل وقتنا وتفكيرنا . كنا ننتظرفي السبعينات والثمانينات بشوق وبصبر ولادة قصيدة جديدة له تُنشرله في صحيفة ما آو مجلة ونتداولها من يد الى اخرى لنكتبها . كان شاعر عربي أصيل وصادقا مع نفسه فهو حالة نادرة قد لا تتكرر ابدا . احببت كل ماكتب من قصائد بأشكالها لكني أحببت قصائده السياسية أكثرلأنها تتكلم عن مأساتنا وأوجاعنا . لقد رحل عنا شاعر الانسانية في وقت ونحن في أمس الحاجة الى صوته وصرخة كلماته .

  8. يقول ابراهيم السالم مشنان:

    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليك يا من تكوني ( بروين حبيب ) عذبة كلماتك ( النزارية ) ، و شكرا علي ملامستك هذا ( الزر ) !!!
    لم يغب المرحوم ( نزار قباني ) خواطرنا سواءا من صرح بذالك ا و ( كتم ) ، لانه لم يمت ( كتابة ) في دواخلنا
    و استلطفك يا سيد ( بروين ) في بعض ( الاسالة ) ! ، و لست مستعجلا علي البوح باجابتها و لكني في الانتظار ، وهاهي :
    من اين لك بهذه العبارة الشامخة ؟ ،( نزار قباني في حياتي رواية )
    و من اين لك ؟ ، ( بتفكيك الاساطير ) في زمننا المفكك !
    و من اين لك ؟ ( حتي يتوسدني الموت )
    ومن اين لك ؟ ، ( حتي الفراغ فيها مدروس ) ، و من اين لك ؟ ( نزار قباني في نظري وقفة تاملية في الشعر العربي )
    كل ما رسدته اناملك ( غارق ) في عذوبة المنطق ، و اذا كنا قد افتقدنا ( نزار ) ، و لا راد لقضاء الله فهل ( العوض ) كما يقول اهل ( الكنانة ) ، اذا ( داعبت ) بروين حبيب ( الشعر ) ، سنظفر بي
    ( نزارية ) ؟؟؟
    الجواب اعتقد غير مستحيل و شكرا لك ولجميع عشاق ( غباني )
    و السلام علي من اتبع الهدي .

إشترك في قائمتنا البريدية